السمع وعلم النفس الصوتي
كل ضغط صوتي خَسور مبنيّ على حقيقة واحدة: الأذن لا تسمع كل ما هو موجود. تماماً كما أن العين تتجاهل تفاصيل (مسار الصور)، الأذن تتجاهل أصواتاً كثيرة. من يفهم الأذن، يفهم لماذا يعمل MP3.
تجربة: شغّل نغمة قوية عند ١kHz. ثمّ أضِف نغمة أضعف عند ١.١kHz. ستلاحظ أن النغمة الثانية تختفي تماماً من إدراكك — رغم أنها موجودة فيزيائياً ولو شغّلتها وحدها لسمعتها بوضوح.
سؤالان: (١) لماذا "تبتلع" النغمة القوية جارتها الأضعف؟ (٢) والأهمّ للضغط: إن كانت أذنك عمياء عن النغمة الثانية أصلاً، فلماذا نهدر بِتّات في تخزينها؟ كيف تحوّل هذه الظاهرة إلى خوارزمية تقرّر "ما الذي يمكن حذفه"؟
ثلاثة تحيّزات في الأذن
- منحنى الجهارة: حسّاسيتنا تتغيّر مع التردد (أحسّ بـ2–5kHz أكثر من 50Hz أو 15kHz). أصوات تحت "عتبة السمع المطلقة" غير مسموعة أصلاً — احذفها مجّاناً.
- النطاقات الحرجة (critical bands): القوقعة تحلّل الصوت في "نطاقات" لا خطّياً — ضيّقة في الجهير، عريضة في الحاد (سلّم Bark/mel). داخل نطاق واحد، لا نميّز التفاصيل الترددية الدقيقة جيّداً.
- الإخفاء (masking): صوت قوي يرفع "عتبة السمع" حوله فيخفي الأضعف — ترددياً (نغمة تخفي جارتها) وزمنياً (صوت قوي يخفي ما قبله بلحظات وما بعده).
النموذج النفسي-صوتي (psychoacoustic model) يحسب، لكل لحظة، عتبة الإخفاء عبر الطيف. ثم نخصّص البِتّات بذكاء: نكمّم بخشونة (نضيف ضجيج تكميم) حيثما تكون العتبة عالية — لأن الأذن لن تسمع ذلك الضجيج، فهو "مخبّأ تحت" الصوت القوي. هذا "تشكيل ضجيج التكميم" تحت منحنى الإخفاء = جوهر MP3/AAC.
قارن: العين تتسامح مع خطأ الترددات المكانية العالية (مسار الصور، DCT). الأذن تتسامح مع الضجيج تحت عتبة الإخفاء. كلاهما: أخفِ الخطأ حيث الحاسّة عمياء. الضغط الخَسور علم نفسٍ بصري/سمعيّ قبل أن يكون علم حاسوب.
- ولّد نغمة 1kHz بسعة عالية + نغمة 1.1kHz بسعة منخفضة. اسمعهما معاً، ثم اسمع الثانية وحدها. تأكّد أنها "اختفت" في الخليط.
- اكتب نموذجاً نفسياً مصغّراً: خذ طيف إطار (FFT من العقدة ٠٢)، جِد القمم القوية، وارسم حولها "عتبة إخفاء" مثلّثة (تنحدر ~25dB/Bark). أيّ مكوّن طيفي يقع تحتها = قابل للحذف. اطبع نسبة المكوّنات القابلة للحذف.
- جرّب: صفّر تلك المكوّنات وأعِد بناء الصوت (IFFT). اسمعه — هل تسمع فرقاً؟ هذا، مصغّراً، ما يفعله MP3.
الأذن متحيّزة: منحنى جهارة، نطاقات حرجة، وإخفاء ترددي/زمني. النموذج النفسي يحوّل الإخفاء لعتبة، ونخبّئ ضجيج التكميم تحتها. الآن نملك "ما يمكن حذفه". بقي أن نركّب كل اللبنات — التحويل الترددي + النموذج النفسي + التكميم + ترميز الإنتروبي — في كوديك حقيقي: MP3.